سيد محمد طنطاوي
460
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والألباب جمع لب ، وهو العقل السليم الذي يرشد صاحبه إلى الخير والبر . وقوله * ( الَّذِينَ آمَنُوا ) * منصوب بإضمار أعنى على سبيل البيان للمنادى ، أو عطف بيان له . والمراد بالذكر : القرآن الكريم ، وقد سمى بذلك في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيه ذِكْرُكُمْ . . . أي : فيه شرفكم وعزكم ، وفيه ما يذكركم بالحق ، وينهاكم عن الباطل . أي : فاتقوا اللَّه - تعالى - يا أصحاب العقول السليمة ، ويا من آمنتم باللَّه - تعالى - حق الإيمان ، فهو - سبحانه - الذي أنزل عليكم القرآن الكريم ، الذي فيه ما يذكركم عما غفلتم عنه من عقيدة سليمة ، ومن أخلاق كريمة ، ومن آداب قويمة . . وفي ندائهم بوصف « أولى الألباب » إشعار بأن العقول الراجحة هي التي تدعو أصحابها إلى تقوى اللَّه وطاعته ، وإلى كل كمال في الطباع والسلوك . والمراد بالرسول في قوله - تعالى - : * ( رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّه مُبَيِّناتٍ ) * محمد صلى اللَّه عليه وسلم وللمفسرين جملة من الأقوال في إعرابه ، فمنهم من يرى أنه منصوب بفعل مقدر ، ومنهم من يرى أنه بدل من ذكرا . . . « 1 » . والمعنى : فاتقوا اللَّه - أيها المؤمنون - فقد أنزلنا إليكم قرآنا فيه ما يذكركم بخير الدنيا والآخرة . . . وأرسلنا إليكم رسولا هو عبدنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم لكي يتلو عليكم آياتنا تلاوة تدبر وفهم ، يعقبهما تنفيذ ما اشتملت عليه هذه الآيات من أحكام وآداب وهدايات . . ولكي يخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الشرك الذي كانوا واقعين فيه ، إلى نور الإيمان الذي صاروا إليه . ومنهم من فسر الذكر بالرسول صلى اللَّه عليه وسلم . . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( قَدْ أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكُمْ ذِكْراً ) * هو النبي صلى اللَّه عليه وسلم وعبر عنه بالذكر ، لمواظبته على تلاوة القرآن الذي هو ذكر . . . وقوله - تعالى - * ( رَسُولًا ) * بدل من * ( ذِكْراً ) * ، وعبر عن إرساله بالإنزال ، لأن الإرسال مسبب عنه . .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 361 .